الغزالي

524

إحياء علوم الدين

والشديد العسوف والمرجو والمخوف ، وذلك بحسب أوصافه ، إذ منها الرحمة واللطف والانتقام والبطش فبحسب مشاهدة الكلمات والصفات يتقلب القلب في اختلاف الحالات وبحسب كل حالة منها يستعد للمكاشفة بأمر يناسب تلك الحالة ويقاربها إذ يستحيل أن يكون حال المستمع واحدا والمسموع مختلفا إذ فيه كلام راض وكلام غضبان وكلام منعم وكلام منتقم وكلام جبار متكبر لا يبالي وكلام حنان متعطف لا يهمل الباب الرابع في فهم القرءان وتفسيره بالرأي من غير نقل لعلك تقول : عظمت الأمر فيما سبق في فهم أسرار القرءان وما ينكشف لأرباب القلوب الزكية من معانيه ، فكيف يستحب ذلك . وقد قال صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] « من فسّر القرءان برأيه فليتبوّأ مقعده من النّار » وعن هذا شنع أهل العلم بظاهر التفسير على أهل التصوّف من المفسرين المنسوبين إلى التصوف في تأويل كلمات في القرءان على خلاف ما نقل عن ابن عباس وسائر المفسرين ، وذهبوا إلى أنه كفر ، فان صح ما قاله أهل التفسير فما معنى فهم القرءان سوى حفظ تفسيره ؟ وإن لم يصح ذلك فما معنى قوله صلَّى الله عليه وسلم « من فسّر القرءان برأيه فليتبوّأ مقعده من النّار » فاعلم أن من زعم أن لا معنى للقرءان إلا ما ترجمه ظاهر التفسير فهو مخبر عن حد نفسه ، وهو مصيب في الإخبار عن نفسه ، ولكنه مخطئ في الحكم برد الخلق كافة إلى درجته التي هي حده ومحطه [ 2 ] بل الأخبار والآثار تدل على أن في معاني القرءان متسعا لأرباب الفهم ، قال على رضي الله عنه إلا أن يؤتى الله عبدا فهما في القرءان . فإن لم يكن سوى الترجمة المنقولة فما ذلك الفهم ؟ وقال صلَّى الله عليه وسلم [ 3 ] « إنّ للقرءان ظهرا وبطنا وحدّا ومطلعا » ويروى أيضا عن ابن مسعود موقوفا عليه وهو من علماء التفسير ، فما معنى الظهر